القاضي عبد الجبار الهمذاني

548

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : إذا / أماته تعالى لم يمكن أن يقال إنه قطعة بذلك عن منافع كانت تحصل له من جهة الغير ؛ لأن منافع الحي إنما تكون من قبله تعالى . فمتى أماته من غير ألم لم يتضمن ذلك قطعه عن المنافع التي كانت تصل إليه من قبله سبحانه . على أن المنافع الواصلة من قبله جل وعز لو لم يمت زيدا تفضل للّه تعالى أن لا يفعله « 1 » . فبإماتته يكون قد قطع ما كان له أن لا يفعل ، وليس كذلك حال القاتل ؛ لأنه لولا قتله لكان الواجب على القديم تعالى أن ينفع المقتول ، لأنه تعالى متى أبقاه « 2 » وأحوجه إلى الأمور ، فلا بد من أن يرزقه أن يفعل ما يقوم مقام ذلك ، على ما بيناه في باب الأرزاق . وإن كان المعلوم من حال هذا القاتل أنه لو لم يقتله لكان يقتله ظالم آخر بعد سنة ، فالذي يلزمه من العوض في قطع المنافع هو هذا القدر ؛ لأنه الّذي انقطع لأجل قتله . وأما ما بعد القتل الثاني من المنافع فلم ينقطع لأجل قتله ، لأنه لو لم يقتل لكان سينقطع بقتل القاتل الآخر . فإن علم المقتول أنه إن لم يقتله هذا القاتل فسيبقى مدّة ، فالمعلوم أن هذا القتل نفع أعظم لما يقارنه من غمه بقطع المنافع . يبين ذلك أن المقتول متى علم أنه لو لم يقتل لكان سيموت لا محالة ، يكون القتل أخف عليه ، وغمه أقل منه إذا لم يكن هذا حاله . فيجب أن يكون العوض بحسب هذه الأحوال . فإن قال : فيجب فيمن قتل غيره وقد علم المقتول أنه لا يبقى أن يكون العوض يسيرا .

--> ( 1 ) ليس المراد « تفضل للّه » بل تفضل يحتمل أن اللّه لا يفعله . ( 2 ) في الأصل بقاه .